مع اقتراب عام 2023 من نهايته، توقع الكثيرون أن يتسم بالاضطراب الاقتصادي ومخاوف الركود. ومع ذلك، فقد تحدى التوقعات وظهر بوصفه عام يتسم بالمرونة الملحوظة للاقتصاد الأمريكي. وتجد الولايات المتحدة نفسها الآن على مسار يعتقد القليلون أنه ممكن، مستمتعة بما يبدو أنه هبوط سهل. وقد شهد التضخم تراجعًا كبيرًا، وظلت معدلات البطالة منخفضة، بل إن هناك تكهنات بتخفيضات أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي مطلع شهر مارس.

قام جاستن وولفرز، الأستاذ في جامعة ميشيغان، بتلخيص الأجواء، واصفًا عام 2023 بأنه شهادة على «التزام الاقتصاد بالهبوط». يعد هذا الإنجاز رائعًا للغاية بالنظر إلى أنه جاء في أعقاب أسرع ركود في التاريخ، إلى جانب تحديات مثل الصراع في أوكرانيا، وصدمات أسعار النفط، والاضطرابات السياسية، والعديد من القضايا الأخرى. وأشار وولفرز إلى أن «الاقتصاد يشبه المحرك الصغير الذي يمكنه ذلك».
وتابع «وبالنظر إلى شدة الصدمات التي واجهت الاقتصاد، كان من الممكن أن تكون النتيجة أسوأ بكثير». ورغم أن الاقتصاد الأمريكي لا يخلو من المخاطر والعقبات، بما في ذلك الصراع الدائر بين إسرائيل وحماس وسوق الإسكان الذي يتميز بأنه الأقل تكلفة في أي جيل، إلا أن هناك أسبابًا ملموسة تدعو للتفاؤل بعام 2024، وهي أسباب أكثر وضوحًا مما كانت عليه قبل عام.
1- تراجع ملحوظ للتضخم
في الوقت الذي توقع فيه الكثيرون في وول ستريت وفي واشنطن أن يتراجع التضخم بعد أن وصل إلى أعلى مستوياته في أربعة عقود في يونيو 2022، إلا أن وتيرة هذا التراجع فاجأت الخبراء. شهدت أسعار المستهلكين، التي ارتفعت بنسبة 9.1٪ في يونيو 2022، تباطؤًا كبيرًا، حيث سجلت سنوية لم تتعدَّ 3.1٪ في نوفمبر.
من جانبه وصف الخبير الاقتصادي إيان شيبردسون هذا الانخفاض السريع في التضخم بأنه «رائع». وأعرب مارك زاندي، كبير الاقتصاديين في Moody’s Analytics، عن ثقته في أن التضخم سيقترب من النسبة التي يستهدفها الاحتياطي الفيدرالي وهي 2٪ بحلول نهاية عام 2024. كما شهدت أسعار الغاز، التي ارتفعت فوق 5 دولارات للغالون في عام 2022، ارتفاعًا كبيرًا في عام 2023، حيث تشير التوقعات إلى مزيد من الانخفاضات في عام 2024. ومن المتوقع أن يوفر هذا الاتجاه للمستهلكين 32 مليار دولار من مخصصات الوقود مقارنة بالعام السابق.
- إعلان الانتصار على التضخم
لقد تراجع التضخم لدرجة أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي أوقف الزيادات الهائلة في أسعار الفائدة التي أثارت المخاوف بشأن استقرار الاقتصاد وأثارت قلق المستثمرين. وفي تحول غير متوقع للأحداث، يفكر مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي الآن في خفض أسعار الفائدة لعام 2024، مما يشير فعليًا إلى الانتصار في المعركة ضد التضخم.
يتوقع مارك زاندي أن يخفض بنك الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة أربع مرات في عام 2024، ومن المحتمل أن تكون بداية ذلك في مايو، بينما يراهن بنك جولدمان ساكس على تخفيضات أسعار الفائدة بدءًا من مارس. ستكون مثل هذه التخفيضات في أسعار الفائدة بمثابة طوق نجاة لشركة Main Street، لتخفض التكاليف المرتبطة بالرهون العقارية وقروض السيارات وأرصدة بطاقات الائتمان. وبالفعل، انخفضت معدلات الرهن العقاري من ما يقرب من 8٪ في أكتوبر إلى 6.6٪ في نهاية العام.
- عام مكتسح للأسهم
أدى التضخم المتراجع، إضافة إلى تراجع مخاوف الركود، واحتمال خفض أسعار الفائدة إلى ضخ تفاؤل جديد في وول ستريت. اختتمت الأسهم الأمريكية العام على ارتفاع، حيث شرع مؤشر S&P 500 في سلسلة مكاسب استمرت تسعة أسابيع، مسجلاً أطول سلسلة أرباح منذ عام 2004. وفي الوقت نفسه، ارتفع مؤشر ناسداك بنسبة 43٪، ليقترب بشكل محير من أفضل أداء له منذ عقدين. في حين أنه من المسلم به أن سوق الأسهم لا تعكس بشكل مباشر الاقتصاد الأوسع، إلا أنه في هذه الحالة، فإن الارتفاع يعكس إلى حد كبير التفاؤل بشأن الاقتصاد والتضخم والثقة في الهبوط السهل – وهي أخبار جيدة لكل من وول ستريت وماين ستريت.
- تراجع تسريح العمال بشكل غير معتاد
على الرغم من الزيادات السابقة في أسعار الفائدة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، فإن معدل البطالة يبلغ حاليًا 3.7٪ فقط، ويقترب من أدنى مستوى له منذ نصف قرن. ولا تزال مطالبات البطالة الأولية، وهي نذير تسريح العمال، منخفضة تاريخيًا عند 218,000، مما يشير إلى أن العديد من أرباب العمل يترددون في التخلي عن قوتهم العاملة.
وأكد مارك زاندي على استثنائية هذا الوضع، قائلاً: “لكي نقرع أجراس الإنذار، يجب أن تقترب المطالبات من 300,000. ونحن بعيدون جدا عن ذلك”. إذا استمر هذا الاتجاه، فمن المتوقع أن يكون معززًا للإنفاق الاستهلاكي، وهو محرك محوري للاقتصاد الأمريكي.
- تجاوز الأسعار لشيكات الرواتب
على مدى معظم فترات ما بعد التعافي الاقتصادي من آثار أزمة كورونا، تجاوزت الأسعار نمو الأجور، مما أدى إلى تقلص الأجور الحقيقية (المعدلة وفقًا للتضخم). ومع ذلك، تشير الاتجاهات الأخيرة إلى حدوث تحول، حيث بدأت شيكات الرواتب في اللحاق بالتضخم. يشعر كل من مارك زاندي وجوستين وولفرز بالتفاؤل بأن نمو الأجور الحقيقي سيكتسب زخمًا في عام 2024. مع استمرار انخفاض التضخم، من المتوقع أن يتجاوز الدخل مستويات التضخم ويتجاوزها، مما يؤدي في النهاية إلى تحسن المعنويات الاقتصادية.
في حين تبدو التوقعات لعام 2024 واعدة، فقد أظهرت السنوات القليلة الماضية كيف يمكن للتطورات غير المتوقعة، مثل جائحة كوفيد 19 أو الغزو الروسي لأوكرانيا، أن تعطل حتى أكثر التوقعات تفاؤلاً. ومن المحتمل أن تلقي عوامل عديدة، بما في ذلك المزيد من الضغوط المالية والانتخابات الرئاسية لعام 2024، بظلالها على الوضع الاقتصادي.
وبينما يتنقل الاقتصاديون والخبراء بحذر في حالات عدم اليقين هذه، فإنهم يأملون في العودة إلى الحياة الطبيعية بعد فترة مضطربة شهدها الاقتصاد الأمريكي. الأمل في عام 2024 يتميز بالاستقرار، حيث تتضاءل المخاوف، ويشعر المواطنون بالأمان بشأن دخلهم وحالة الوطن. باختصار، فإن العام المقبل يبشر بالخير، لكن الاقتصاديين يظلون يقظين، مدركين أن الأحداث غير المتوقعة يمكن أن تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي.
